أحمد سراج يكتب: الرابح والخاسر في طوفان الأقصى

ذات مصر

 أكان لا بد من أن يدقوا الجدران؟

(أ)

حين انتبه الناس إلى طوفان الأقصى، ألقى كثير منهم اللوم على حماس لأنها بادأت إسرائيل الهجوم، فيما شعر كثيرون بالنشوة لأنه لم تزل هناك قدرة على المقاومة، مع توجس شديد من الرد القادم، وبان أن هناك خطة محكمة مع تصريح محمد الضيف بأن الطوفان بدأ ردًّا على انتهاكات الكيان للمسجد الأقصى، وأن الضربة الأولى التي استهدفت مواقع العدو ومطاراته وتحصيناته العسكرية قد تجاوزت 5 آلاف صاروخ وقذيفة، وأنه يدعو المقاومة الإسلامية في لبنان والعراق وسوريا واليمن إلى الالتحام مع مقاومة فلسطين، وقد بينت مجريات الأمور أننا أمام تخطيط محكم من الجانب العربي يبرهن على ذلك بأفعاله، وتخبط شديد من قيادات إسرائيل يوضحه التناقض والانسحابات والانشقاقات.

(ب)

السؤال الذي يجيب عن نفسه: هل حرك الطوفان إسرائيل للانتقام من الفلسطينيين؟ والجواب في هذه الأرقام المأخوذة من بيان جهاز الإحصاء الفلسطيني: "احتلت إسرائيل في 1948م (774) قرية ومدينة فلسطينية، دمرت منها بالكامل (531)، واقترفت العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين". ووفق كتب المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، لمحمد حسنين هيكل فحتى 1993 "قدم الشعب الفلسطيني 261 ألف شهيد، و186 ألف جريح، و161 ألف معوق" (الكتاب الأول، ص25) وعلى مدار سني الصراع يجيب السؤال عن نفسه: لماذا ارتكبت إسرائيل كل هذه المذابح؟!

السؤال الذي يضع سائله في منطقة غير الإنسان، وغير العربي هو: هل أخطأت حماس؟ لأن المقاومة وفق القوانين حقٌّ إنساني، والفلسطينيون أصحاب هذه الأرض، وما إسرائيل وفق القوانين إلا بؤرة احتلالية تم زرعها في وسط العالم العربي؛ لمنع اتحاده، وتقويض قدرته على العودة من جديد، وما هي بالنسبة لنا ولأعدائنا إلا جولة جديدة من جولات الحروب الصليبية، وطول مدة الاحتلال لا تعطيه الشرعية؛ فإنجلترا احتلت الهند لمائتي عام.

(ج)

 نأتي إلى السؤال المركزي: من الرابح ومن الخاسر في الطوفان؟ 

  1. قبل الطوفان بأيام كانت هناك هرولة نحو التطبيع.. أين هي الآن؟
  2. الحديث الرسمي الإسرائيلي الأساسي عن بناء علاقات مع العرب.. ما الحديث الآن؟
  3. لم يكن هناك ذكر للمسألة الفلسطينية إلا بخفوت.. الآن لدينا مظاهرات حاشدة في الجامعات الغربية، اعتراف رسمي متزايد بالدولة الفلسطينية، حديث مطرد عن حق الفلسطيني في أرضه.
  4. صورة إسرائيل المترسخة على أنها فيلا وسط أحراش.. سقطت لصالح الأصل وأننا أمام همجية غير مبررة ووحشية مفرطة، وضعت مطالبات أمام  القضاء بمحاكمة نتنياهو وقادته محاكمة دولية الجنائية الدولية ماذا يعني أن يعلن كريم خان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، أن المحكمة تسعى لإصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو بتهم ارتكاب جرائم حرب.
  5. أمريكا راعية السلام والراغبة في حل نهائي يرضي جميع الأطراف؛ سواء كان حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة، ومعها المجتمع الدولي الغربي.. الآن ألم تسقط تلك الأقنعة؟ ألم تفتح أمريكا ترسانتها لإسرائيل؟ ألم تشارك معها في عملياتها. 
  6. لا خوف من الدول العربية لأنها غارقة في النزاعات والديون.. الآن يصرخ قادة إسرائيليون بالتوقف عن فكرة الدخول في حرب مع حزب الله الذي شكل رقمًا صعبًا أجبر إسرائيل على سحب مستوطنيها وإخلاء مستوطناتها المواجهة للجنوب اللبناني، وبما لا يدع مجالاً للشك تظهر إسرائيل عاجزة ومهانة بطول البحر الأحمر الذي يغلقه المارد اليمني. 
  7. يستطيع حلفاؤنا العرب (وكلاء الاستعمار وحرس الإبراهيمية) التدخل في أي وقت.. لم يشهد الصراع العربي الإسرائيلي لحظة كهذه؛ فالفلسطينيون يواجهون، ويدفعون الثمن؛ ومن يشارك معهم يؤمن بمبادئهم؛ لذلك يتساوى اتهام أبو مازن لهم بالمسئولية عما جرى من تدمير، وتقافز الحكام كالثعالب؛ ليعرضوا على المقاوم مقترحات سرعان ما يطؤها بصمته، ويحرقها بتجاهله.

(د)

لا إنكار أن أربعين ألف شهيد وضعفهم من الجرحى يدمي القلب.. لكن ألم تفعلها إسرائيل وتدمر غزة بأهلها مرات عدة دون أن يحرك فلسطيني إصبعه؟ ليس أمام الفلسطيني خيارات كثيرة؛ فإما أن يهرب، أو يقتل بلا جريرة، أو يقاوم.. وأظن الخيار الأخير صار حتميًّا.

ما الجديد؟ كل شيء عاد إلى أصله؛ إسرائيل كيان محتل، شعب فلسطين يقاوم وسينتصر.. 

في رائعة غسان كنفاني "رجال في الشمس" يتأمل السائق جثث الفلسطينيين المختبئين في الخزان، ويتساءل: لماذا لم يدقوا الجدران؟ فيما نقف نحن الآن ندعو لفلسطين بالحرية، ونصرخ: كان لا بد أن يحطموا الجدار..