هشام الحمامي يكتب: أردناها.. وأرادوها.. و(الله فعال لما يريد)

ذات مصر

يقول الصالحون إن القدر ينتهي إلى هذه الآية الكريمة (إن ربك فعًال لما يريد...) ولأن هؤلاء الناس فعلا أوتوا نعمة (الفهم) عن الله عز وجل، فقد تفوقوا على كل المتاهات الكلامية، كما يقول لنا الراحل الكبير الأستاذ (خالد محمد خالد)، صحيح.. فالأمر كله، والملك كله لله الواحد القهار. 

أعظم مخلوقات الله سواء كان إنسانا أم غيره، يفعل أحيانا ما لا يريد! ويريد أحيانا ما لا يستطيع أن يفعل! الله وحده الفعًال لما يريد.

وصدق فعلا من قال: عند هذه الآية الكريمة ينتهي القدر.. وعندها يبدأ الفهم الصحيح له. 

***

تذكرت هذه الآية وهذا الفهم لها.. عند سماعي الأخبار الأخيرة عن (الكمائن) التي تحدث تقريبا كل يوم ويقتل فيها (قتل بدني) عشرات الجنود والضباط الإسرائيليين، ويقتل إلى جانبهم (قتلا معنويا) ألاف وملايين أخرين في إسرائيل والغرب الاستعماري قاتل البشر والشجر والحجر. 

***

الحاصل أن هناك خبرا منسيا، كان قد أعلن عنه يوم 8 أكتوبر على لسان رئيس حركة حماس شخصيا (يحيى السنوار) يقول فيه: أنه مستعد للدخول في التفاوض حول تبادل الأسرى مع العدو الإسرائيلي. 

وطبعا بعد أن أصبحت كفة المقاومة راجحة وتستطيع تحرير الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية تمهيدا لخطوة تحرير فلسطين كلها من سجن إسرائيل والغرب الاستعماري (أمريكا وبريطانيا تحديدا). 

هذا كل ما كانت تريده حركة حماس وأعلنت عنه ثاني يوم من (طوفان الأقصى).. ولم تزد على ذلك.. وسواء كان التفاوض سيشمل رفع الحصار المفروض على القطاع من 17 سنة أم لا يشمل.. أو سيشمل هدنة طويلة مع العدو أم لا يشمل. 

***

أيا ما كان.. إلا أن الأمر لم يتجه هذه الوجهة، وسمعنا كل الأصوات من داخل إسرائيل (الخفير الأجير) ومن أسياده الذين يدفعون له مقابل وظيفته الضرورية.. إلا صوتا واحدا! لم نسمعه، صوت التفاوض والتفاهم حول مسألة الأسرى والرهائن.. من خلال وسائل التفاوض والتفاهم.. 

الأسياد بالطبع أتوا بحاملات الطائرات على سواحل البحر الأبيض وبدأوا في تشغيل (الجسر الجوي) الشهير مددا وعددا، وهو الجسر الذي سمعنا عنه كثيرا في حرب 1973م مع جملة الرئيس السادات الشهيرة (لن أحارب أمريكا). 

والتي ألحقها برؤيته الاستراتيجية القديمة، المستمدة من الحالة التي تكونت في الشرق الأوسط بعد تغيير الأسرة العلوية (1952م) وأعلنها بصوت جهوري تدرب عليه كثيرا: (حرب أكتوبر هي أخر الحروب). 

***

وعلى فكرة ممكن يكون (الحاج يحيى) أحب، جبرا لخاطره، أن تكون (طوفان الأقصى) في أكتوبر.. وبعد 6 أكتوبر بيوم واحد (7).. لأنها إن شاء الله بالفعل ستكون أخر الحروب.. 

صحيح هي أطول الحروب، وأعظم الحروب، وأشرف الحروب.. ليس فقط لأن في قلبها (المسجد الأقصى). 

ولكن لأنها كذلك بالفعل، عظمة وشرفا، ومن لم يشترك فيها اشتراكا فاعلا، فهو ليس كذلك.. 

ومن الكلام إلى الكلام.. دعوا من يأكل وينام! يأكل وينام!

***

سننتبه أيضا إلى أن كل من يعرف (الحاج يحيى) من خلال قراءة سيرته الذاتية في رواية (الشوك والقرنفل) التي كتبها في السجن الذي قضى فيه (23 سنة) سيعرف أن لديه عاطفة جارفة تجاه مصر، ودورها التاريخي من أيام صلاح الدين، وحتى أيامنا هذه في التاريخ الحديث. 

كما وأن صدره شديد الاتساع، للمختلفين معه من كل التيارات السياسية والفكرية، طالما لم يتلوثوا بالخيانة أو الغدر. 

وتشعر أنه رجل شديد التركيز في تنفيذ ما يؤمن بصوابه، إلى حد أنه لا يكاد يسمع الأصوات التي تعيد ما تكرره وتكرر ما تعيده من عشرات السنين. 

هناك هدف محدد وبالغ الوضوح وبالغ الضرورة، وهذه هي وسائل تحقيقه بالغة الواقعية بالغة المادية برجال أبدانهم دنيوية وقلوبهم سماوية. 

ماذا يتبقى إذن؟ فقط: أدخلوا عليهم.. فلندخل إذن.. الآن وحالا!

***

وسيحكى لنا العقاد رحمه الله في (عبقرية الصديق) عن الاستعداد العسكري الهائل لأبى بكر، قبل حروب الردة، وكأنه لم يكن يحارب كفارا مرتدين، لديه يقين بأن الله سينصره عليهم.. وهذا هو (الفهم) الذي حدثنا عنه الصالحون كما سبق.. 

(أعدوا).. يعنى.. أعدوا..                                               

(وما استطعتم).. يعنى.. وما استطعتم. 

***

لكن.. رئيسة وزراء إيطاليا قالت في قمة السبع الكبار الأسبوع الماضي: يبدو أن إسرائيل وقعت في فخ حماس.       

لكن.. المراسل العسكري للقناة 14 الإسرائيلية الموالية لنتنياهو سيقول: أقوم بتغطية هذه الحرب اللعينة منذ 8 أشهر و8 أيام، سمعت سابقا أكثر من مرة من ضباط كبار في الجيش انتقاد سلوك أصحاب القرار على المستوى السياسي والأمني. 

لكن الذي سمعته هذه الليلة (السبت الماضي) أمر مختلف تماما.. الأمر يتعلق بأزمة ثقة كبيرة، غضب وإحباط حقيقيين، قد يتطوران في الأيام المقبلة إلى أمور أكثر تعقيدا..  (يقصد تمردا). 

لكن أيضا.. الجنرال العجوز في الجيش الإسرائيلي (إسحاق بريك) قال لنا: إننا أمام هزيمة استراتيجية لم نشهدها منذ تأسيس البلاد. 

***

(الحالة الإسرائيلية) الأن أوضح من أن تٌوضح.. لا نقاش في ذلك.. 

لكن لابد من طرفة طريفة وسط كل ذلك.. ما هي؟ 

آموس هوكستين مبعوث الرئيس الأمريكي والذي سيصل إلى إسرائيل اليوم الإثنين 17 يونيو.. 

الرجل جاء فورا بعد كمائن أمس وأول أمس.. 

وطبعا ليس لأن إسرائيل في خطر حقيقي.. الرجل جاء لمنع (توسع دائرة) الصراع بين إسرائيل و(حزب الله).. 

يا راجل؟! لو كان ذلك كل شيء.. لكان، ومن بدري. 

***

مش قادرين تعترفوا بأن إسرائيل تذوق (طعم الذل). 

ومِن مَن؟؟                                        

من الذين قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها.. وأن الخوف كله من (توسع دائرة) من يقوموا مثلما قاموا، ويقولوا مثلما قالوا.. 

ويتحول (فتية الأنفاق) في غزة، إلى نبع الإلهام والتدفق الممتلئ إيمانا وجرأة وقدرة.. 

***

ألا ما أحلى التاريخ الإنساني النبيل، وهو يسير عبر الزمان والمكان في رحاب الله (الفعًال لما يريد)..     

ستتغير الأشكال والأمثال والصور والأحوال.. لكن سيبقى كما هو في كل المعنى في كامل التاريخ الإنساني، وسيدوم إلى آخر الزمان.. 

وستكون (طوفان الأقصى) أحد أسمى وأكمل معاني هذا الزمان.